محمد متولي الشعراوي
1280
تفسير الشعراوي
ويقول الحق بعد ذلك : « وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ » إن اللّه لو أراد للمتشابه أن يكون محكما ، لجاء به من المحكم ، إذن فإرادة اللّه أن تكون هناك آيات المتشابه ومهمتها أن تحرك العقول ، وذلك حتى لا تأتى الأمور بمنتهى الرتابة التي يجمد بها عقل الإنسان عن التفكير والإبداع ، واللّه يريد للعقل أن يتحرك وأن يفكر ويستنبط . وعندما يتحرك العقل في الاستنباط تتكون عند الإنسان الرياضة على الابتكار ، والرياضة على البحث ، وليجرب كل واحد منا أن يستنبط المتشابه إلى المحكم ولسوف يمتلك بالرياضة ناصية الابتكار والبحث ، والحاجة هي التي تفتق الحيلة . إن الحق يريد أن يعطى الإنسان دربة حتى لا يأخذ المسائل برتابة بليدة ويتناولها تناول الخامل ويأخذها من الطريق الأسهل ، بل عليه أن يستقبلها باستقبال واع وبفكر وتدبر . أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ( 24 ) ( سورة محمد ) كل ذلك حتى يأخذ العقل القدر الكافي من النشاط ليستقبل العقل العقائد بما يريده اللّه ، ويستقبل الأحكام بما يريده اللّه ، فيريد منك في العقائد أن تؤمن ، وفي الأحكام أن تفعل « وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ » . والذين في قلوبهم زيغ يحاولون التأويل وتحكمهم أهواؤهم ، فلا يصلون إلى الحقيقة . والتأويل الحقيقي لا يعلمه إلا اللّه . قد رأينا من يريد أن يعيب على واحد بعض تصرفاته فقال له : يا أخي أتدّعى أنك أحطت بكل علم اللّه ؟ فقال له : لا . قال له : أنا من الذي لا تعلم . وكأنه يرجوه أن ينصرف عنه . والعلماء لهم وقفات عند قوله الحق : « وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ » : بعضهم يقف عندها ويعتبر ما جاء من بعد ذلك وهو قوله الحق : « وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ » كلاما مستأنفا ، إنهم يقولون : إن اللّه وحده هو الذي يعلم تأويل المتشابه ، والمعنى : « وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ » أي الثابتون في العلم ، الذين لا تغويهم الأهواء ، إنهم :